مؤسسة آل البيت ( ع )
113
مجلة تراثنا
إنها نظرية تبرير الأمر الواقع وإضفاء الشرعية عليه ، والدافع الوحيد إلى هذا التبرير هو إعفاء الصحابة من تهمة العمل في هذا الأمر الخطير بدون دليل من الشرع ، وإعفاؤهم مما ترتب على ذلك من نتائج . لأجل هذا ظهر في هذه النظرية من التكلف والتعسف ما لا يخفى ، ومن ذلك : 1 - إن أيا من هذه الوجوه الثلاثة لا يستند إلى دليل شرعي البتة ، ولم يكن يعرفه حتى فقهاء الصحابة قبل ظهوره على الواقع . ومن هنا طعن ابن حزم هذه الوجوه كلها كما تقدم . 2 - إن مبدأ الشورى المذكور في الوجه الأول والمأخوذ من بيعة أبي بكر لم يكن قد تحقق في تلك البيعة ، وليس لأحد أن يدعي ذلك بعد أن وصفها عمر - في خطبته التي رواها البخاري وغيره وأصحاب السير - بأنها كانت فلتة ، عن غير مشورة ! ولم يكن هذا قول عمر وحده ، بل كان يقينا في أذهان الصحابة وعلى ألسنتهم ، لذا قال بعضهم : لئن مات عمر لأبايعن لفلان ، فما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة . فلما بلغ عمر ذلك لم ينكره بل أكده ، فقال : " لا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا إنها قد كانت كذلك ، ولكن وقى الله شرها " ( 15 ) ! وشتان بين الشورى والفلتة ! والغريب أن عمر قد نهى عن تكرار مثل تلك البيعة ، وحذر من العودة لمثلها تحذيرا شديدا خشية أن يكون عاقبتها القتل ، " فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " .
--> ( 15 ) صحيح البخاري - كتاب الحدود 8 / 302 ح 25 ، مسند أحمد 1 / 56 ، سيرة ابن هشام 4 / 308 ، تاريخ الطبري 3 / 200 .